محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1080
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
[ بين اللّه وإبليس ] إبليس لم يعارض في الخلق إذ قال : خلقتني وخلقته ، بل نازع في الأمر ونازع واسطة الأمر ، حتّى قيل له : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ . لو أتيت بألف حجّة فلا جواب لك على : « إِذْ أَمَرْتُكَ » . إذا كان هذا التقليد فأين البصيرة ؟ 198 هذا الذي أقوله بصيرة ؛ المقدّمات مسلّمة والنتيجة ضرورية . من المسلّم به أنّني مخلوق من النار ، ومن المسلّم به أنّ آدم خلق من الطين ، ومن المسلّم به أنّ النار أشرف من الطين ، فلم سجودي له ؟ ما فضله عليّ ؟ وما تقوله : فأخرج منها فإنّك رجيم تعسّف صرف ، ثمّ : وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين ، ظلم محض ! أيّها اللعين 199 تذكر مقدّمة ونتيجة ! ! تتمنطق ! ! ترى النار أشرف من الطين ، وتتمسّك بالطبيعة ، وترى البسيط مقدّما على المركّب ! تتألّه ! ! تقرّر مذهب الفلاسفة ! لأنّك سلّمت أنّي أنا الحاكم ؛ فالحكم لي ؛ فلماذا تحكم عليّ ؟ ! لأنّي أنا الآمر ؛ فالأمر لي ؛ فلماذا تصدر أمرك لي ؟ ! « إِذْ أَمَرْتُكَ » ، جواب كلّ الشبهات . قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . . . 200 أيّها اللعين ! تطلق كلاما متناقضا ؛ إن تنسب الغواية إليّ ، فلماذا تقعد على الطريق ؟ ! وإن تقعد على الطريق لغوايتهم ، فلماذا تنسب الغواية إليّ ؟ تقول بالجبر ، وتقول أيضا بالقدر . مذهب الجبريين انطلق من كلمة : أغويتني ؛ ومذهب القدريين انبثق من : لأقعدنّ ، كلا الطائفتين تشدّان بإبليس وتلقيان في جهنّم . تجاوز الحدّ إلى الأمام دخول في التعليم : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ؛ والتخلّف عن الحدّ إلى الوراء دخول في التعلّم : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؛ والانحراف نحو اليمين عزلة وتربّص : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ؛ والانحراف نحو اليسار فسق وإباحة : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ . [ شبهات الخلق ] حيثما كانت شبهة فمن وساوس الشيطان ، وحيثما كانت وسوسة فمن شبهات ذاك